الغلام المؤمن والساحر
عن
صهيب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(كان
ملك فيمن كان قبلكم ، وكان لـه ساحر ، فلما كبر الساحر ، قال للملك ، إني قد كبرت
فأبعث إلىّ غلاماً أعلمه السحر ، فبعث إليه غلاماً يعلمه ، فكان في طريقه إذا سلك
راهب ، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه ، فكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب وقعد إليه
، فإذا أتى الساحر ضربه ، فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال : إذا خشيت الساحر فقل : حبسني
أهلي ، وإذا خشيت أهلك فقل : حبسني الساحر) .
الغلام
والأفعى :
(بينما
الغلام سائر إذ رأى دابة عظيمة "أفعى" قد حبست الناس) .
الغلام
(يخاطب نفسه) : اليوم أعلم ، الساحر أفضل أم الراهب ؟
الغلام
(يأخذ حجراً) : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فأقتل هذه الدابة
حتى يمضي الناس . (يرمي الغلام الدابة فيقتلها ويمضي الناس) ، ( يأتي الغلام
الراهب فيخبره) .
الراهب
(متعجباً) : أي بني أنت اليوم أفضل مني ، قد بلغ من أمرك ما أرى ، وإنك ستبتلى ،
فإن ابتليت فلا تدل عليّ .
الغلام
يبرئ الأكمه ( الأعمى ) والأبرص) ويداوي الناس من سائر الأدواء ( الأمراض) .
الغلام
والأعمى :
(يسمع
جليس للملك كان قد عمي ، فيقدم للغلام هدايا كثيرة)
الأعمى
(راجياً) : كل هذه الهدايا لك إن أنت شفيتني .
الغلام
(مرشداً) : إني لا أشفي أحد ، إنما يشفي الله تعالى ، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله
فشفاك .
(يؤمن
الأعمى فيشفيه الله تعالى) .
(
يأتي الجليس الملك ، فيجلس إليه كما كان يجلس) .
الملك
(متعجباً) : من ردَّ عليكم بصرك ؟
الجليس
( في فرح) : ربي .
الملك
( منكراً) : أو لك رب غيري .
الجليس
( في فرح) : ربي وربك الله .
(يأخذه
الملك فلم يزل يعذبه حتى يدل على الغلام فيؤتي بالغلام) .
الملك
( مهدداً) : أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص ، وتفعل وتفعل .
الغلام
: إني لا أشفي أحداً ، إنما يشفي الله تعالى .
تعذيب من آمن :
(يأخذ
الملك الغلام ، فلا يزال يعذبه حتى دل على الراهب ، فجيئ بالراهب فقيل له : إرجع
عن دينك فيأبى ، فيدعو الملك بالمنشار ، فيضع المنشار في مفرق رأسه فيشقه به حتى
يقع شقاه على الأرض) .
ثم
يجيئ بجليس الملك ، فقيل له : إرجع عن دينك فيأبى ، فيضع المنشار في مفرق رأسه
فيشقه به حتى وقع شقاه .
الغلام يعذب :
(يؤتى
بالغلام ، فيقال له : إرجع عن دينك ، فيأبى ، فيدفعه الملك إلى نفر من أصحابه)
الملك
(غاضباً) : إذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به إلى الجبل فإذا بلغتم ذروته ،
فإن رجع عن دينه ، والا فاطرحوه .
(يذهبون
بالغلام ، ويصعدون به الجبل)
الغلام
( داعياً عليم : اللهم أكفينهم بما شئت .
(
يرجف بهم الجبل فيسقطون ويجيئ الغلام يمشي إلى الملك ) .
الملك
( في حيرة ودهشة) : ما فعل أصحابك ؟
الغلام
( في شجاعة وإيمان) : كفانيهم الله تعالى ( يدفعه الملك إلى نفر من أصحابه)
الملك
: أذهبوا به فأحملوه في قرقورة ( زورق) وتوسطوا به البحر ، فإن رجع عن دينه ، وإلا
فأقذفوه ( يذهبون بالغلام) .
الغلام
(داعياً) : اللهم أكفينهم بما شئت .
(
تنكفئ بهم السفينة فيغرقون . ويجيئ الغلام إلى الملك يمشي ) .
الملك
( في قهر وخذلان) : ما فعل أصحابك ؟
الغلام
( في طمأنينة وثبات) : كفانيهم الله تعالى .
الغلام يضحي بنفسه :
الغلام
( للملك) : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به .
الملك
( في عجز ويأس) : وما هو ؟
الغلام
: تجمع الناس في صعيد واحد ، وتصلبني على جذع ، ثم خذ سهماً من كنانتي ، ثم ضع
السم في كبد القوس ، ثم قل : ( بسم الله رب الغلام) . ثم أرمني ، فإنك إذا فعلت
ذلك تقتلني .
يجمع
الناس في صعيد واحد ، ويصلب الغلام على جذع ، ثم يأخذ الملك سهماً من كنانة الغلام
، ثم يضع السهم في كبد القوس ثم يقول : ( بسم الله الرحمن الرحيم الله رب الغلام) ثم يرميه ، فيقع السهم في صدغه
، فيضع يده في صدغه في موضع السهم ويموت .
الناس
( يهتفون) : آمنا برب الغلام ، آمنا برب الغلام .
(يجيئ
الجند إلى الملك) .
الجند
(في أسف) : أرأيت ما كنت تحذر ؟ قد والله نزل بك حذرك ، قد آمن الناس .
الملك
(في تحفظ) : إحفروا الأخدود (الخنادق) بأفواه السكك وأضرموا فيها النيران ، ومن لم
يرجع عن دينه فأقحموه فيها (أطرحوه) .
(الجند
على أطراف الأخدود ، يعرضون الشعب المؤمن على النار ، ويعرضون عليهم أن يرجعوا عن
دينهم ، فمن لم يرجع أوقعوه في النار ) .
على
حافة النار إمرأة معها رضيع تخشى علي فتتردد ، وتتقاعس أن تقع في النار .
الرضيع
(يقول) : يا أمه إصبري فإنك على الحق .
إحتراق
الكفار :
قال تعالى
: (إِنَّ
الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا
فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) :
1-
قال ابن جرير بعد ذكره قصة أصحاب
الأخدود : وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالصواب للذي ذكرنا عن الربيع من العلة :
وهو أن الله أخبر أن لهم عذاب الحريق مع عذاب جهنم ، ولو لم يكونوا أحرقوا في
الدنيا لم يكن لقوله (ولهم عذاب الحريق) معنى مفهوم من إخباره أن لهم عذاب جهنم ،
لأن عذاب جهنم هو عذاب الحريق مع سائر أنواع عذابهما في الآخرة .
2-
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ
فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) : أي حرقوهم بالنار ، فلهم عذاب جهنم
لكفرهم ، ولهم الحريق في الدنيا لإحراقهم المؤمنين بالنار .
وقيل (جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ
الْحَرِيقِ)
أي ولهم في الآخرة عذاب زائد على عذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين .
3-
ذكر المفسر الألوسي نقلاً عن ابن جرير
وغيره : إن الله بعض على المؤمنين ريحاً تقبض أرواحهم قبل الوصول إلى النار ، وأن
النار خرجت فأحرقت الكفار الذين كانوا على حافتي الأخدود . ويدل لهذا قوله تعالى :
( قتل أصحاب الأخدود) ، وقوله تعالى : ( ولهم عذاب الحريق) .
من فوائد القصة :
1- كل
مولود يولد على الفطرة ، فاقتضت الفطرة السليمة أن تكون مع الحق والخير دائماً
وترفض الشر ، فوجهت الغلام نحو الخير حين سمع الحق من الراهب ونبذت الشر المتمثل
في الساحر الكافر .
2-
لا بأس بالكذب للنجاة من كيد الكافرين
عند الضرورة .
3- علم
الغلام بفطرته أن الحق مع الراهب ولكن أراد أن يقيم الحجة (مثل إبراهيم عليه
السلام) حيث أقام الحجة على قومه .
4- الدعاء
إلى الله أن يظهر له الحق ويبين له وجه الصواب ويقطع الشك باليقين ، وهذا شأن
المؤمن يلجأ إلى الله دائماً لحل مشاكله .
5- إماطة
الأذى عن الطريق وتخليص الناس من كرب وقعوا فيه ، مشروع ومطلوب يؤجر المسلم عليه ،
كما صرحت بذلك الأحاديث .
6-
المؤمن الصادق هو الذي ينسب فعل الكرامة
إلى الله وليس إلى نفسه .
7-
الاعتراف بالفضل ولو إلى غلام صغير : (
أي بني أنت اليوم أفضل مني) .
8- كل
من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وصدع بالحق لا بد من أن يبتلى ، وعليه بالصبر ،
وله الأجر الكبير عند الله ، قال تعالى على لسان لقمان يوصي ولده (يَا بُنَيَّ أَقِمِ
الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا
أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)
.
9-
كل من أخطأ في تعبيره لا يترك في خطئه ،
بل يبين له وجه الصواب ، لا سيما في عقيدة التوحيد ، فالغلام يقول للوزير : إني لا
أشفي أحداً ، إنما يشفي الله تعالى ، وهذا مطابق لقول الله تعالى عن إبراهيم عليه
السلام : (وَإِذَا
مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ).
10- إن
لله رجالاً أقوياء بإيمانهم ، فمهما عذبوا لا يرجعون عن دينهم ، ولا يرضون الطغاة
بكلمة فيها ضعف أو كفر ، ولو حرقوا ، أو نشروا أو أغرقوا وهو الأفضل وقد أشار
إليهم الله سبحانه وتعالى بقوله : (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ
كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا
وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) ، وقد سمح الله للمؤمن أن ينطق بالكفر
إذا أكره عليه فقال سبحانه وتعالى : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا
مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ
بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .
11- لا
بد لكلمة الحق أن تنتصر ، فالملك يعجز عن قتل الغلام ، ولا يتم له ذلك إلا بطريقة
يرسمها الغلام للملك ، يعقبها إيمان الشعب وانحدار الملك ، ويتحقق قول الله تعالى
: (وَجَعَلَ
كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
.
12- الغلام
المؤمن يضحي بنفسه ليؤمن الناس ، وهذا شأن المؤمنين المخلصين يسعون لإنقاذ أمتهم ،
ولو أدى ذلك إلى استشهادهم ، فهم إلى الجنة ذاهبون ، قال تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ
رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)
.
13- يثبت
الله المؤمنين بالحجج البينات ، ويؤيد دينهم بالكرامات ، فهذا هو الرضيع ينطق (يا
أمه إصبري فإنك على الحق) . والأم تستجيب لهذا الأمر ، وتلقي بنفسها مع طفلها
صابرة محتسبة .
14- مصير
المؤمنين إلى الجنة بعد موتهم ، ومصير هؤلاء الكفار الحرق في الدنيا ، وعذاب جهنم
في الآخرة .
أبرص وأقرع وأعمى :
عن
أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن ثلاثة في بني
إسرائيل (أبرص وأقرع وأعمى) أراد الله أن يبتليهم (يختبرهم) فبعث إليهم ملكاً .
(يأتي
الملك الرجل الأبرص) .
الملك
: أي شئ أحب إليك ؟.
الأبرص
: لون حسن ، وجلد حسن ، ويذهب عن الذي قد قذرني الناس .
(
يمسحه الملك ، فيذهب عنه قذره ، ويعطي لوناً حسناً ، وجلداً حسناً) .
الملك
: فأي المال أحب إليك ؟ .
الأبرص
: الإبل .
(
يعطي ناقة عشراء ( حاملاً)
الملك
: بارك الله لك فيها .
(يأتي
الملك الرجل الأقرع) .
الملك
: أي شئ أحب إليك ؟ .
الأقرع
: شهر حسن ويذهب عن الذي قذرني الناس .
(يمسحه
الملك فيذهب عنه داؤه ويعطي شعراً حسناً) .
الملك
: فأي المال أحب إليك ؟ .
الأقرع
: البقر .
(
يعطى بقرة حاملاً) .
الملك
: بارك الله لك فيها .
(يأتي
الملك الرجل الأعمى) .
الملك
: أي شئ أحب إليك ؟ .
الأعمى
: أن يرد الله إلى بصري ، فأبصر به الناس .
(يمسحه
الملك ، فيرد الله إليه بصره )
الملك
: فأي المال أحب إليك .
الأعمى
: الغنم .
(يعطى
شاة والداً حاملاً)
كان
لهذا وادٍ من الإبل ، ولهذا وادٍ من البقر ، ولهذا وادٍ من الغنم) .
(يأتي
الملك الرجل الأبرص في صورة أبرص)
الملك
: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك ،
أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ عليه في سفري
(أصل به إلى أهلي) .
الأبرص
(في ضيق) : الحقوق كثيرة .
الملك
(في استغراب) : كأني أعرفك ، ألم تكن أبرص يقذرك الناس . فقيراً فأعطاك الله .
الأبرص
( في إنكار) : إنما ورثت هذا المال كابر عن كابر . (أباً عن جد) .
الملك
: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت .
(ثم
يأتي الملك الرجل الأقرع في صورة أقرع )
الملك
: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبار في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك ،
أسألك بالذي أعطاك الشعر الحسن والمنظر الحسن والمال ، بقرة أتبلغ بها في سفري .
الأقرع
(في ضجر) : الحقوق كثيرة .
الملك
(متعجباً) : كأني أعرفك ، ألم تكن أقرع يقذرك الناس ؟ .
الأقرع
(في استكبار) : إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر ( أباً عن جد) .
الملك
: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت .
(يأتي
الملك الرجل الأعمى في صورة أعمى) .
الملك
: رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبار في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم
بك ، أسألك بالذي رد عليك بصرك ـ شاة أتبلغ بها في سفري .
الأعمى
( شاكراً معترفاً) : قد كنت أعمى فرد الله إلىّ بصري ، فخذ ما شئت ودع ما شئت ،
فوالله لا أجهدك اليوم ( لا أعارضك) بشئ أخذته لله عز وجل .
الملك
: أمسك مالك ، فإنما أبتليتم ( اختبرتم) فقد رضي الله عنك ، وسخط على صاحبيك .
من
عبرة القصة وفوائدها :
1-
اختبار الله لعباده ، سنة الله في أرضه
، كما أخبر الله به في كتابه .
2-
الابتلاء يكون في الجسم والمال والأولاد
وغيرها .
3-
الملائكة تتصور أحياناً على هيئة البشر
، وتتكلم ، وتمسح على المريض فيبرأ بإذن الله .
4-
لا شئ أحب للمبتلى بالمرض من ذهاب مرضه
ومعافاته .
5-
الله هو الذي يعطي ويمنع ، ويغني ويفقر
، بتقديره وحكمته .
6-
من التوحيد والأدب أن تنسب الشفاء
والغنى إلى الله وحده ( قد كنت أعمى فرد الله بصري) .
7-
الإنسان الجاهل يبخل وقت الغنى ،
والعاقل يعطى بسخاء متذكراً قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما من يوم يصبح العباد
فيه إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر :
اللهم أعط ممسكاً تلفاً .
8-
بعض الأغنياء ينسون ماضيهم الفقير
ويغضبون ممن يذكرهم به .
9-
من شكر النعمة ، وأعطى الفقراء زاده
الله غنى ، وبارك له ، ومن بخل فقد عرض نفسه لزوال النعمة وسخط الرب القائل : (لَئِنْ شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) .
10-
إنكار النعمة يجلب النقمة ، ويسبب
الشقاء .
11-
الكرم يجلب النعمة ويذهب بالنقمة ،
ويرضي الرب ، والبخل يجلب السوء ويسخط الرب .
12-
المؤمن يفي بما وعد ولا يبخل ، والمنافق
يعاهد ويعد ، ولكن لا يفي بعهده ووعده ، كما قال الله تعالى عن المنافقين : (وَمِنْهُمْ مَنْ
عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ
مِنَ الصَّالِحِينَ)
، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا
وعد أخلف ، وإذا أئتمن خان) .
أصحاب الغار والصخرة :
عن
ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( انطلق ثلاثة نفر ممن
كان قبلكم ، حتى آواهم المبيت إلى غار ، فدخلوه ، فانحدرت صخرة من الجبل ، فسدت
عليهم الغار ، فقالوا : إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى
بصالح أعمالكم)
قال
رجل منهم : اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكنت لا أغبق (أقدم) قبلهما أهلاً
ولا مالاً ، فنأى بي طلب الشجر يوماً (أبعدت) فلم أرح عليهما (فلم يرجع) حتى ناما
، فحلبت لهما غبوقهما (حصتهما) فوجدتهما نائمين ، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق
قبلهما أهلاً أو مالاً ، فلبثت – والقدح في يدي – أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر
، والصبية يتضاغون عند قدمي (يصيحون) فاستيقظا فشربا غبوقهما (شرب اللبن) .
(اللهم
إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة) .
فانفرجت
شيئاً لا يستطيعون الخروج منها)
وقال
الآخر : اللهم إنه كانت لي إبنة عم كانت أحب الناس الىّ ، فأردتها على نفسها ،
فامتنعت مني ، حتى ألمت بها سنة من السنين (أصابها جوع) فجاءتني ، فأعطيتها عشرين
ومائة دينار على أن تخل بيني وبين نفسها ، ففعلت ، حتى إذا قدرت عليها ، قالت :
اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه ، لا تقربني إلا بنكاح شرعي) فتحرجت من الوقوع
عليها ، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ وتركب الذهب الذي أعطيتها .
(اللهم
إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه) .
فانفرجت
الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها .
وقال
الثالث : اللهم استأجرت أجراء ، وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب ،
فثمرت (كثرت) أجره حتى كثرت منه الأموال ، فجاءني بعد حين ، فقال : يا عبدالله أد
الىّ أجري ، فقلت : كل ما ترى من أجرك ، من الإبل والبقر والغنم والرقيق ، فقال :
يا عبدالله لا تستهزئ بي ، فقلت ، إني لا أستهزئ بك ، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك
منه شيئاً .
(اللهم
عن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه ) .
فانفرجت
الصخرة ، فخرجوا يمشون .
من فوائد القصة :
قال
الله تعالى : (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، قال قتادة : تقربوا اليه بطاعته ،
والعمل بما يرضيه .
1- الأعمال
الصالحة وقت الرخاء يستفيد منها الإنسان وقت الشدة ، قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ( أحفظ الله يحفظك ، أحفظ الله تجده تجاهك ، تعرف إلى الله في الرخاء ، يعرفك
في الشدة) .
2- يجب
على المسلم أن يلجأ إلى الله وحده دائماً بالدعاء وخاصة حين نزول الشدائد ، ومن
الشرك الأكبر دعاء الأموات الغائبين ، قال الله تعالى : (وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا
لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ
الظَّالِمِينَ)
- الظالمين : المشركين .
3- مشروعية التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة ،
وهي نافعة ومفيدة ، ولا سيما عند الشدة ، وعدم مشروعية التوسل بالذوات والجاه .
4- حب الله مقدم على حب ما تهوى النفوس من الشهوات
.
5- من ترك الزنى والفجور خوفاً من المولى نجاه
الله من البلوى .
6- من حفظ حقوق العمال حفظه الله وقت الشدة ،
ونجاه من المحنة .
7- الدعاء إلى الله مع التوسل بالعمل الصالح يفتت
الصخور .
8- بر الوالدين وإكرامهما على الزوجة والأولاد .
9- حق الأجير يحفظ له ، ولا يجوز تأخيره ، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه) .
10- استحباب تنمية مال الأجير الذي ترك حقه ، وهو
عمل جليل ، وهو من حق الأجير .
11- شرع
من قبلنا هو شرع لنا إذا أخبر به الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم على طريق
المدح ، ولم يثبت نسخه ، وهذه القصة قصها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في
مدح هؤلاء النفر الثلاثة لنقتدي بهم في عملهم .
12- طلب
الإخلاص في العمل حيث قال كل واحد ( اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا
ما نحن فيه) .
13- إثبات
الوجه لله سبحانه من غير تشبيه ، قال الله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ البَصِيرُ)
.
وليمة جابر المباركة
عن
جابر رضي الله عنه قال : ( كنا يوم الخندق نحفر ، فعرضت كدبة شديدة (صخرة) فجاؤوا
إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا هذه كدبة عرضت في الخندق .
الرسول
صلى الله عليه وسلم : أنا نازل ، ( يقوم الرسول صلى الله عليه وسلم وبطنه معصوبة
بحجر) .
قال
جابر : ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذوقاً ( يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول ،
فيضرب ، فيعود كثيباً أهيل ( تراباً ناعماً )
جابر
: يا رسول الله أئذن لي إلى البيت .
جابر
لأمرته ( متأثراً) : رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً (جوعاً) ، ما في ذلك
صبر ، فعندك شئ ؟ .
المرأة
: عندي شعير وعناق ( الأنثى من ولد الماعز) . يذبح جابر العناق ، وتطحن امرأته
الشعير ، ثم يجيئ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم .
جابر
لأمرأته : طعيم لي ( طعام قليل) فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان .
الرسول
صلى الله عليه وسلم : كم هو ؟
جابر
: سخلة وقليل من شعير .
الرسول
صلى الله عليه وسلم : كثير طيب ، قل لها لا تنزع القدر ولا الخبر من التنور حتى
آتي .
الرسول
صلى الله عليه وسلم لصحبه : قوموا ، ( ويقوم المهاجرون والأنصار) .
جابر
لأمرته ( في حيرة) ويحك قد جاء النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار ومن
معهم .
المرأة
في دهشة : ( هل سألك) .
جابر
: نعم .
الرسول
صلى الله عليه وسلم : ادخلوا ولا تضاغطوا ( تزاحموا) يكسر الرسول الخبر ويجعل عليه
اللحم ويغطي القدر والتنور إذا أخذ منه ، ويقرب إلى أصحابه ، ثم ينزع ، فلم يزل
يكسر ويغرف حتى شبعوا وبقى منه .
الرسول
للمرأة : كل هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم المجاعة .
من فوائد القصة :
1- مشاركة
الرسول صلى الله عليه وسلم القائد جنده في حفر الخندق ، وعدم تميزه عليهم .
2- شكوى
الصحابة لقائدهم من صخرة عجزوا عنها لما يعلمون من قوته ، فاستجاب الرسول صلى الله
عليه وسلم لهم ، وفتت الصخرة مع شدة جوعه .
3- حب الصحابة لقائدهم ، وسعيهم لإطعامه وسد جوعه
.
4- محافظة الصحابة على النظام ، وعدم الذهاب بدون
إذن من القائد .
5- نساء الصحابة يتصفن بالإيثار والكرم والحب
للرسول صلى الله عليه وسلم .
6- القائد المخلص لا يشبع وحده ، بل يدعو أصحابه
معه .
7- الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالنظام
( ادخلوا ولا تضاغطوا) .
8- إكرام
الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالمعجزة ، بتكثير الطعام حتى شبعوا جميعاً ومن
حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يغطي القدر والتنور إظهاراً للبركة لا
للإيجاد والخلق وهما من الله وحده ، محافظة على عقيدة الوحيد .
9- القائد
العظيم في جنده أشبـة بالأب في أسرته ، يغرف لهم الطعام بيده ، ويقدمه بنفسه .
10- اهتمام
الرسول صلى الله عليه وسلم بأفراد أمته كاهتمامه بجنده ( كلي هذا وأهدي ، فإن
الناس أصابتهم مجاعة) .
جوع الصحابة والرسول
صلى الله عليه وسلم
يخرج
رسول الله صلـى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد ، ويأتيه
أبو بكر
الرسول
صلى الله عليه وسلم : ما جاء بك يا أبا بكر ؟ .
أبو
بكر رضي الله عنه : خرجت ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر في وجهه
والتسليم عليه . ( فلم يلبث أن جاء عمر رضي الله عنه ) .
الرسول
صلى الله عليه وسلم : ما جاء بك يا عمر ؟
عمر
رضي الله عنه : الجوع يا رسول الله .
الرسول
صلى الله عليه وسلم : وأنا قد وجدت بعض ذلك .
(
ينطلقون إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري ، وكان رجل كثير النخل والشاة
ولم يكن له خدم فلم يجدون )
الجماعة
(لأمرأته) : أين صاحبك ؟
المرأة
: انطلق يستعذب لنا الماء . ( فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة ماء عذب فوضها ،
ثم جاء يلتزم النبي صلى الله عليه ورخم ويفديه بأبيه وأمه ، انطلق بهم إلى حديقته
فبسط لهم بساطاً ، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو (عنقود البلح) فوضعه)
النبي
صلى الله عليه وسلم : أفلا تنقيت لنا من رطبة .
أبو
الهيثم : يا رسول الله إني أردت أن تختاروا من رطبه وبسره (حلوه ومره) .
(الرسول
وصاحباه يأكلون منه ويشربون)
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم
القيامة ، ظل بارد ، ورطب طيب ، وماء بارد .
(ينطلق
أبو الهيثم ليصنع لهم طعاماً) .
النبي
صلى الله عليه وسلم : لا تذبحن لنا در ( حليب)
(يذبح
لهم عناقاً أو جدياً ويأتيهم بها فيأكلون)
.
النبي
صلى الله عليه وسلم : هل لك خادم ؟
أبو
الهيثم : لا .
النبي
صلى الله عليه وسلم : فإذا أتانا سبى ( أسرى) فأتنا ( يأتي لرسول الله صلى الله
عليه وسلم (خادمان) ليس معهم ثالث ، فيأتيه أبو الهيثم .
النبي
صلى الله عليه وسلم : اختر منهما .
أبو
الهيثم : يا رسول الله اختر لي .
النبي
صلى الله عليه وسلم : إن المستشار مؤتمن ، خذا هذا فإني رأيته يصلى واستوص به
معروفاً . ( ينطلق أبو الهيثم فيخبر زوجته بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
المرأة
: ما أنت ببالغ حق ما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا بأن تعتقه .
أبو
الهيثم : فهو عتيق (حر) .
النبي
صلى الله عليه وسلم : إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان ، بطانة
تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر ، وبطانة لا تألوه خبالاً ( إلا تقصر في إفساده)
ومن يوق بطانة السوء فقد وقى ( أي حفظ) .
من فوائد القصة
1- الرسول
صلى الله عليه وسلم وصاحباه يعانون الجوع ، ويسعون لسده بطريقة مشروعة .
2- يجوز
للرجل أن يذهب إلى بيت صاحبه لتناول الطعام بدون دعوة إن كان يعلم سعة حاله ، وطيب
نفسه .
3- التنبيه
على فضل النعمة مهما كانت ، والحث على شكر خالقها ، وعدم الانشغال بها عن المنعم ،
قال الله تعالى : (لَئِنْ
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
) .
4- إذا
رأى الضيف إكراماً زائداً من صاحب البيت ، فخضي وقوعه في خطأ نصحه برفقه كقوله صلى
الله عليه وسلم : ( لا تذبحن لنا ذات در) – أي ذات لبن - .
5- المكافأة على المعروف مطلوبة ، فرسول الكرم
يكافئ صاحب البيت ويعده بخادم .
6- لا
يحتاج أبو الهيثم إلى وساطة لطلب الخادم ، فعندما يلتقي الرسول به وقد جاءه خادمان
، فسرعان ما يقول له : ( اختر منهما) .
واذا طلبت إلى كريم حاجة فلقاؤه يكفيك والتسليم
7- العاقل يستشير من هو أتم نظراً : ( يا رسول
الله إختر لي ) .
8- الصلاة علامة التقوى : ( خذ هذا فإني رأيته
يصلي) .
9- وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بالخدم لا سيما
المصلين : ( استوص به معروفاً)
10- حب الصحابة لتحرير الأرقاء ، وموافقته لزوجته
الصالحة على إعتاقه .
11- علـى
المسلم العاقل أن ينتقي أصحابه من أهل الصلاح ليذكروه بالخير ، ويشجعوه عليه ، وأن
يبتعد عن قرناء السوء كيلا يذكروه بالشر ويحسنوه إليه ، وكذلك شأن الزوجة الصالحة
والشريرة لها تأثير على الزوج .
12- جواز المعانقة لغير القادم من سفر .
جرة الذهب
عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم : اشترى رجل من رجل عقاراً له (أرضاً) فوجد الرجل
الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب !!
المشتري
(للبائع) : خذ ذهبك مني ، إنما اشتريت منك الأرض ، ولم أشتر منك الذهب !!
البائع
(ممتنعاً) : إنما بعتك الأرض وما فيها . – يحتكمان إلى رجل - .
الحكم
: الكما ولد ؟
أحدهما
: لي غلام .
الآخر
: لي جارية .
الحكم
: أنحكوا (زوجوا) الغلام للجارية وأنفقوا عن أنفسكما منه ، وتصدقا .
من فوائد القصة
1- أداء الأمانة مطلوب لقول الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) .
2- القناعة كنز لا يفنى تعود بالخير والبركة على
صاحبها .
3- مشروعية
الاحتكام إلى عالم بالكتاب والسنة ، دون الذهاب إلى المحاكم المدنية التي تضيع
الأموال والأوقات عملاً بقول الله تعالى : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)
4- من رضي بما أعطاه
الله كان من أغنى الناس لقوله صلى الله عليه وسلم :-
أ- وأرض
بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس) .
ب- ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس
.
5- الرزق
مقسوم ، لا بد أن يصل إليك في وقته ومقداره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (
لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت) .
6- على
المسلم أن يقنع بالحلال ، ويترك الحرام والطمع فيما ليس له ، ويأخذ بالأسباب
المشروعة للرزق ، وأن العمل الصالح يكفل له السعادة في الدنيا والآخرة ، قال النبي
صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الله وأحملوا في الطلب) .
7- الحكم العادل يرضي المحتكمين .
8- عدم الطمع فيما ليس للإنسان .
الأمانة في الخشبة العجيبة
عن
أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر رجلاً من بني
إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه (يقرضه) الف دينار .
المقرض
: أئتني بالشهداء أشهدهم .
المقترض
: كفى بالله شهيداً .
المقرض
: فإئتني بالكفيل .
المقترض
: كفى بالله كفيلا .
المقرض
: صدقت .
(يدفع
الرجل للمقترض الألف دينار إلى أجل مسمى ، فيخرج بها في البحر ، فإذا قضى حاجته ،
التمس مركباً يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله ، فلم يجد مركباً ، فيأخذ خشبة
فينقرها ، فيدخل فيها ألف دينار !! وصحيفة منه إلى صاحبه ، ثم يزجج موضعها (يسده)
ثم يأتي بها إلى البحر) .
المقترض
(آسفاً) : اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلاناً (اقترضت منه) الف دينار ، فسألني
كفيلاً ، فقلت ، كفى بالله كفيلا ، فرضي بك ، وسألنا شهيداً ، فقلت : كفى بالله
شهيداً ، فرضي بك ، وإني جهدت (بذلت جهدي) أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له ، فلم
أقدر ، وإني استودعكما ؟ (أضعها أمانة عندك) .
(يرمي
المقترض بالخشبة في البحر حتى تلج فيها (تجري) ثم ينصرف وهو في ذلك يلتمس مركباً
يخرج إلى بلده ، فيخرج الرجع الذي كان أسلفه ينظر ، لعل مركباً قد جاء بماله ،
فإذا بالخشبة التي فيها المال !!
فيأخذها
لأهله حطباً .. فلما نشرها وجد المال والصحيفة !!! ثم يقدم الذي كان أسلفه فيأتي
بالألف دينار من جديد .
المقترض
: والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لأتيك بمالك ، فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت
فيه .
المقرض
: هل كنت بعثت إلى بشئ .
المقترض
: أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه .
المقرض
: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة .
فانصرف
بالألف الدينار راشداً .
من
فوائد القصة :
1- القرض الحسن مشروع والمقرض له أجر عظيم .
2- مشروعية كتابة الدين ، ووقت أدائه ، والإشهاد
عليه حفظاً للحقوق .
3- للمقرض أن يأخذ رهناً ، أو كفيلاً من المستقرض
ليحفظ حقه من الضياع .
4) لصاحب
الدين أن يرضى ممن عليه الدين بشهادة الله وكفالته ، اذا لم يجد شهداء ، أو كفيلاً
.
5- على
المسلم أن يأخذ بالأسباب ويتوكل على الله عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم
: ( أعقلها وتوكل) .
فالمقترض ينقر الخشبة ، ويضع الدنانير فيها
، ويسدها ، ثم يدعو الله متوكلاً عليه .
6- من
رضي بالله شهيداً ، أو كفيلاً كفاه ، وحفظ لـه حقه فالمقترض حينما رضي بالله
شهيداً وكفيلاً رد عليه ماله .
7- على
المسلم العاقل ألا يكتفي بالأسباب الغيبية وحدها ، بل يأخذ بالأسباب الحسية ،
فالمقترض لم يكتف بما أرسله للمقرض في الخشبة ، بل أتى بالدنانير من جديد حينما
وجد سفينة تحمله إلى صاحب الدين ، ولكن المقرض أخبره بأن الله أدى عنه بما أرسله
في الخشبة .
8- على المقترض أن يبذل جهده ويسلك كل السبل لوفاء
دينه في وقته المحدد .
9- إذا أحسن المسلم النية وفقه الله لأداء دينه .
10- أداء
الحقوق ، ووفاء الدين واجب ، لا يجوز تأخيره ، إذا لم يوفه في الدنيا ، فسوف يدفعه
يوم القيامة من حسناته ، وربما كان سبباً في دخوله النار .
صوت سحابة
عن
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بينما رجل بفلاة من
الأرض ، فسمع صوتاً في سحابة : ( إسق حديقة فلان) فتنحى ذلك السحاب ، فأفرغ ماءه
في حرة (أرض ذات حجارة سوداء) فإذا شرجة ( ساقية) من تلك الشراج قد استوعبت ذلك
الماء كله ، فتتبع الماء ، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته ( مجرفته)
.
الرجل
(لصاحب الحديقة) : يا عبدالله ، ما إسمك ؟ .
صاحب
الحديقة : إسمي فلان ، للاسم الذي سمع في السحابة .
فقال
له : يا عبدالله لم تسألني عن إسمي ؟
الرجل
: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه ! يقول : إسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع
فيها ؟ .
صاحب
الحديقة : أما إذا قلت هذا ، فإني أنظر إلى ما يخرج منها ، فأتصدق بثلثه ، وآكل
أنا وعيالي ثلثاً ، وأرد فيها ثلثه .
وفي
رواية : أجعل في المساكين والسائلين وابن السبيل .
من فوائد القصة :
1- تسخيـر
الله الملائكة والمطر لعباده المتصدقين الذين يؤدون حقوق الفقراء من أموالهم .
2- التصدق على الفقراء يؤدي إلى زيادة الرزق ، قال
الله تعالى : (لَئِنْ
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إحفظ الله يحفظك ، إحفظ الله تجده تجاهك ،
تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) .
3- المؤمن العاقد يحفظ حق الفقراء ، وحق عياله ،
وحق حديقته .
إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام
â إبراهيم
يأتي بإسماعيل إلى مكة .
â أم
إسماعيل تخاف على ولدها .
â أم
إسماعيل تبحث عن ماء .
â ماء
زمزم ينبع .
â إبراهيم
والمرأة الأولى .
â إبراهيم
والمرأة الثانية .
â الخليل
يلتقي بإسماعيل .
â بنيان
البيت العتيق .
â من
عبر القصة وفوائدها .
هاجر
وولدها إسماعيل :
لما
كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان ( من أمر الغيرة بين زوجته الحرة سارة العقيم
وبين هاجر أم ولده إسماعيل) ، وأمر الله إبراهيم أن تسكن هاجر وإبنها الحجاز ، جاء
إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأم إسماعيل ( هاجر ) وبإبنها إسماعيل وهي ترضعه حتى
وضعهما عند البيت تحت دوحة (شجرة) فوق زمزم من أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذٍ أحد
، وليس بها ماء ، ووضع عندهما جراباً (كيساً) فيه تمر وسقاء (قربة) فيه ماء .
(يرجع
إبراهيم منطلقاً ، فتتبعه أم إسماعيل) .
هاجر
: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شئ ؟
(جعلت هاجر تقول ذلك لإبراهيم مراراً وهو
لا يلتفت إليها) .
هاجر
: آلله آمرك بهذا ؟
إبراهيم
: نعم .
هاجر
: إذاً لا يضيعنا الله ..
(ترجع هاجر وينطلق إبراهيم عليه الصلاة
والسلام حتى إذا كان عند الثنية (مكان بمكة) حيث لا يرونه يستقبل بوجه البيت .
إبراهيم
(داعياً) : ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادي غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا
ليقيموا الصلاة فأجعل أفئدة من الناس تهوي ا ليهم ، وأرزقهم من الثمرات لعلهم
يشكرون .
أم
إسماعيل تبحث عن الماء : جعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا
نفد ما في السقاء عطشت وعطش ولدها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى ، فتنطلق كراهية أن
تنظر إلى طفلها وهو يكاد يموت عطشاً فتجد الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فتقوم
عليه . ثم تستقبل الوادي ، تنظر هل ترى أحد، فلم تر أحد ، فهبطت من الصفا حتى إذا
بلغت الوادي رفعت طرف درعها ( ثوبها) ثم تسعى سعي الإنسان المجهود (المتعب) حتى
تجاوزت الوادي ، ثم تأتي المروة فتقوم عليها علها ترى أحد .. فلا ترى أحد ، وفعلت
ذلك سبع مرات.
قال
ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فذلك سعي الناس
بينهما) .
ماء
زمزم ينبع : تشرف هاجر آخر مرة على المروى فتسمع صوتاً ، فتقول ، صه .. (تريد
نفسها) ثم تسمعت فسمعت أيضاً) .
هاجر
(لنفسها) : قد أسمعت إن كان عندك غواث ( إغاثة فأغث) فإذا هي بالملك عند موضع زمزم
يبحث بعقبه (بجناحه) حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه ( تجعله حوضاً) وتقول بيدها هكذا ،
وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف ، (فتشرب وترضع ولدها) ، قال
ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يرحم الله أم إسماعيل
لو تركت زمزم لكانت زمزم عيناً معيناً ( تجري على وجه الأرض) .
الملك
: لا تخافوا ضيعة (هلاكاً) فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله
لا يضيع أهله . ( وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن
يمينه وعن شماله.)
نزول
جرهم قرب الماء : تبقى هاجر حتى تمر بها رفقة من جرهم ينزلون أسفل مكة فيرون
طائراً عائقاً (يحوم) ، فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على ماء ، لعهدنا بهذا
الوادي وما فيه ماء ، فأرسلوا جرباً (رائداً) فإذا هم بالماء ، فرجعوا فأخبروهم
بالماء ، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء .
جرهم
: أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟
هاجر
: نعم ، ولكن لا حق لكم بالماء .
جرهم
: نعم .
(تنزل
جرهم عند هاجر ويرسلون إلى أهليهم فينزلون معهم)
قال
ابن عباس رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فألفى (وجد) ذلك الحي أم
إسماعيل تحب الأنس) .
إبراهيم
وامرأة إسماعيل الأولى : (بعد نزول جرهم عند هاجر ، شب إسماعيل بينهم ، وتعلم
العربية منهم وأنفسهم – سبقهم – وأعجبهم حين شب ، فلما بلغ أشده زوجوه إمرأة منهم
، وماتت أم إسماعيل ) .
يجئ
إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته ( يتفقد أسرته) فلا يجد إسماعيل في البيت
بل وجد زوجته .
إبراهيم
: أين إسماعيل ؟
المرأة
: خرج يبتغي لنا ( يطلب الرزق) .
إبراهيم
: كيف عيشكم وحالكم ؟
المرأة
( في اشمئزاز) : نحن بشر !! نحن في ضيق وشدة ، وشكت إليه !!
إبراهيم
: إذا جاء زوجك فأقرئي عليه السلام ، وقولي له : غير عتبة بابه (زوجته) .
يأتي
إسماعيل كأنه آنس شيئاً .
إسماعيل
(مستغرباً) : هل جاءكم أحد ؟
زوجته
(في احتقار) : نعم جاءنا شيخ كذا وكذا ، فسألنا عنك ، فأخبرته ، وسألني كيف عيشنا
فأخبرته أنا في جهد ، !
إسماعيل
: فهل أوصاك بشئ ؟
زوجته
: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول : غير عتبة بابك .
إسماعيل
: ذاك أبي ، وقد أمرني أن أفارقك ، الحقي بأهلك ، وطلقها .
إبراهيم
والمرأة الثانية : يتزوج إسماعيل من جرهم إمرأة أخرى ، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء
الله ، ثم أتاهم بعد فلم يجده ، فيدخل على إمرأته فيسأل عنه .
إبراهيم
: أين إسماعيل ؟
المرأة
: ذهب يبتغي لنا ( الطعام من صيد وغيره) .
إبراهيم
: كيف عيشكم .
المرأة
: نحن بخير وسعة .
إبراهيم
: وما طعامكم وشرابكم ؟
المرأة
: طعامنا اللحم وشرابنا الماء .
إبراهيم
: اللهم بارك لهم في اللحم والماء ، فإذا جاء زوجك فأقرئي عليه السلام ومريه أن
يثبت عتبة بابه .
الرسول
صلى الله عليه وسلم : بركة بدعوة إبراهيم صلى الله عليهما وسلم .
يجيئ
إسماعيل
إسماعيل
)مستغرباً) : هل أتاكم أحد ؟
الزوجة
(في فرح( : نعم أتانا شيخ حسن الهيئة ، وأثنت عليه ،
فسألني عنك فأخبرته ، فسألني عيشنا ؟ فأخبرته أنّا بخير .
إسماعيل
: فأوصاك بشئ ؟
الزوجة
: نعم : يقرأ عليكم السلام ، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك .
إسماعيل
: ذاك أبي : وأنت العتبة ، وأمرني أن أمسكك .
الخليل
يلتقي بإسماعيل :
يلبـث
إبراهيـم عنهـم مـا شاء الله ، ثم يجئ بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة ]شجرة[ قريبة من زمزم يراه إسماعيل فيقوم إليه ويتعانقان .
بنيان البيت :
إبراهيم
(في عزم) : يا إسماعيل إن الله يأمرني
بأمر .
إسماعيل
: فأصنع ما أمرك الله .
إبراهيم
: وتعينني ؟
إسماعيل
: وأعينك .
إبراهيم
: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً ، وأشار إلى أكمة (تلة) مرتفعة على ما حولها
.
عند
ذلك رفعا القواعد من البيت وجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني ، حتى إذا
ارتفع البناء جاء بهذا الحجر (المقام) فوضعه لـه ، فقام وهو يبني ، وإسماعيل
يناوله الحجارة .
إبراهيم
وإسماعيل : (رَبَّنَا
تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
من فوائد القصة :
1- المؤمن
يستسلم لأوامر الله ، ويؤثر طاعته ومحبته على كل شئ ، ولو كان الزوجة الصالحة أو
الولد الوحيد .
فإبراهيم
ينفذ أمر الله تعالى حينما أمره أن يحمل زوجته (هاجر) وولدها الرضيع (إسماعيل) إلى
واد غير ذي زرع ، ولا ماء ولا أنيس .
2- المرأة
الصالحة تستجيب لأمر الله ، وطاعة زوجها مع الصبر والإيمان بالله قائلة : (اذاً لا
يضيعنا الله) .
3- إبراهيم
يترك زوجته الوفية ، وولده الصغير في الوادي بعد أن زودهم بكيس من التمر ، وسقاء
فيه ماء ، ثم دعا لهم : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادي غير ذي زرع عند بيتك
المحرم) . وبذلك يعلمنا إبراهيم عليه السلام أن نجمع بين الدعاء والأخذ بالأسباب .
4- أم
إسماعيل تبحث عن الماء عندما نفد من عندها ، وتأخذ بالأسباب وتسعى بين الصفا
والمروة عدة مرات حتى وجدت الماء (زمزم) .
5- يجوز
للإنسان إذا سمع صوتاً أن يطلب الغوث والعون كما فعلت أم إسماعيل وهذا من مقدور
المخلوق أن يفعل ذلك ، بخلاف الميت والغائب .
6- إن
الله اصطفى آل إبراهيم ، وجعل من ذريته الأنبياء والمرسلين ، فكيف يرضى إبراهيم
لولده إسماعيل بزوجة لا تحيا بروحها ، بل تعيش لجسدها ، ولا يهمها إلا الطعام
والشراب ، فتزدري ضيفها أبا زوجها ، فتجحد نعمة ربها ، وتشكو سوء معيشتها ، لذلك
أشار إبراهيم على ولده إسماعيل بفراقها ، والتخلص منها .
7- الزوجة
الثانية لإسماعيل صالحة ، تحترم ضيفها ، وتشكر نعمة ربها ، لذلك يشير إبراهيم على
ولده إسماعيل بإمساكها ورعايتها .
8- الطاعة
والصبر عاقبة محمودة ، وذكرى خالدة ، فالمكان الموحش الذي نزلت في هاجر أم إسماعيل
، وهو مجدب يصبح فيما بعد حرماً آمناً ، وبلداً مسكوناً ، فيه ماء مبارك )زمزم)
تهوي إليه أفئدة الناس ، وتأتيه الثمرات ، وتقصده الوفود للحج من كل فج عميق ،
ليستفيدوا في حل مشاكلهم ويشهدوا المنافع الدنيوية والآخروية .
أرض التوبة
عن
رسول الله صلى الله عليه وسلـم أنه قال : ( كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين
نفساً ، فسأل عن أعلم أهل الأرض ، فدل على راهب ، فأتاه) .
القاتل
(نادماً) : إني قتلت تسعة وتسعين نفساً ، فهل لي من توبة ؟ .
الراهب
(في غباوة وجهل) : لا .
الرجل
يقتل الراهب فيكمل به المائة .
ثم
يسأل عن أعلم أهل الأرض ، فيدلونه على رجل عالم .
القاتل
: إني قتلت مائة نفس ، فهل لي من توبة ؟ .
العالم
( في ثقة) : نعم ، ومن يحول بينك وبين التوبة !! انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها
أناساً يعبدون الله تعالى فأعبد الله معهم ، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء .
(ينطلق
الرجل حتى إذا نصف الطريق ]وصل نصفه[ أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب) .
ملائكة
الرحمة : جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى .
ملائكة
العذاب : إنه لم يعمل خيراً قط .
(يأتيهم
ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم) .
الملك
(يحكم) : قيسوا ما بين الأرضين ، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له .
(الملائكة
تقيس ما بين الأرضين فتجد التائب أقرب إلى الأرض التي أرادها بشبر ، فتقبضه ملائكة
الرحمة) .
من فوائد القصة :
قال
الله تعالى : {قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن
رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
.
1- المذنب
لا ييأس من رحمة الله ، ولو ملأ الأرض ذنوباً ، بل يجب عليه أن يتوب إلى ربه حالاً
، قال الله تعالى : {وَهُوَ
الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ
وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}
.
2- لا بد للجاهل من سؤال عالم بالكتاب والسنة حتى
يحل مشكلاته .
3- لا
يجوز للعابد أن يفتي الناس إذا كان جاهلاً ، ولو تزيا بزي العلماء ، فإن ضرره أكثر
من نفعه ، وقد يعود بالوبال عليه كما في هذه القصة ، ولو كان هذا الراهب عالماً
لما سد باب التوبة على من سأله ، ولما عرض نفسه للقتل .
4- العالم
: هو الذي يفتح للناس باب التوبة ، ويغلق باب القنوط من الرحمة ، فهو كالطبيب يأخذ
بيد المريض نحو الشفاء ، ويفتح له باب الرجاء) .
5- على
المذنب إذا أراد توبة أن يهجر أصحابه الذين اشترك معهم في الذنب ، وأن يهجر
الأماكن التي يرتادها للمعصية .
6- على
التائب أن يرافق الصالحين ليعتاد فعل الطاعات وترك السيئات ، قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : ( المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل) .
7- التحاكم إلى عالم بالكتاب والسنة مشروع عند
الاختصام .
8- لا
تحتقر مذنباً مهما فعل ، لأنك لا تدري بم يختم له : ففي الحديث : ( أن الرجل ليعمل
عمل الجنة فيما يبدو للناس ، وهو من أهل
النار ، وأن الرجل ليعمل عمل النار فيما يبدو للناس ، وهو من أهل الجنة ) - زاد
البخاري ( وإنما الأعمال بخواتيمها) .
أهمية خطبة الحاجة وتأثيرها على النفوس
يقدم
رجل من (أزد شنوءة) يدعى ( ضمان بن ثعلبة الأزدي) وكان يرقي من هذه الريح ]مس
الجن[ فسمع إشاعة :
سفهاء
مكة (يشيعون) : إن محمداً مجنون .
ضمان
( في نفسه : لو أني أتيت هذا الرجل ، لعل الله يشفيه على يديّ .
(ويلقى
ضماد محمداً صلى الله عليه وسلم) .
ضماد
( ناصحاً) : يا محمد ، إني أرقي من هذه الريح ]الجنون[ وإن الله يشفي على يدي من شاء ، فهل لك ؟ (أي هل لك رغبة في
رقيتي؟) .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، من يهده الله فلا مضل له
، ومن يضلل فلا هاد لـه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه ، وأن محمداً
عبده ورسوله ، أما بعد :
ضماد
(متأثراً) : أعد عليّ كلماتك هؤلاء . (يعيد الرسول صلى الله عليه وسلم خطبته ثلاث
مرات) .
ضماد
: لقد سمعت قول الكهنة ، وقول السحرة ، وقول الشعراء ، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء
، ولقد بلغن قاموس البحر ]وسطه ، ولجته[ هات يدك أبايعك على الإسلام . ( يبايع ضمان الرسول صلى الله عليه
وسلم) .
الرسول
صلى الله عليه وسلم (مستفهماً) : وعلى قومك ؟
ضماد
: وعلى قومي (أبايعك على قومي)
(يبعث
رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيمرون على قومه)
صاحب
السرية (للجيش) : هل أصبتم هؤلاء شيئاً ؟
رجل
من القوم : أصبت منهم مطهرة ( وعاء للوضوء) .
صاحب
السرية : ردوها ، فإن هؤلاء قوم ضمان .
من فوائد الحديث والقصة :
1- العرب
قبل الإسلام كانت تعتقد بمس الجن ، ويسمونه (الريح) وجاء الإسلام ، فأقره ، قال
الله تعالى : {الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}
2- من
العرب من كان يرقي من مس الجن ، وربما استعانوا بالجنب ، فأبطل الإسلام هذه
الاستعانة ، وقال الله تعالى عنهم : {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ
بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} (زاد الكفار خوفاً وإثماً وطغياناً) .
وبعض
المسلمين يستعينون بالجن لمداواة المرضى ، أو لفك السحر ، وهذا من الشرك الأكبر
الذي يحبط العمل ، ويزيدهم طغياناً وكفراً ، وعلى المسلم أن يتداوى بقراءة
المعوذتين .
أ- كان
الرسول صلى الله عليه وسلم يتعوذ من أعين الجان ، وأعين الإنسان ، فلما نزلت
المعوذتان أخذ بهما ، وترك ما سواهما .
ب- وعن
عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه
بالمعوذتين ، وينفث ، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوذتين وأمسح بيده عليه
رجاء بركتها .
3- من
العرب في الجاهلية من يعتقد أن الشافي هو الله وحده ، وبعض المسلمين - مع الأسف
الشديد - يعتقدون أن الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره يشفي من الأمراض المختلفة .
فقد
قال الأخ ( أحمد محمد جمال) في جريدة المدينة : ( وفي روايات متعددة يصف الرسول
صلى الله عليه وسلم نفسه بأنه (رحمة مهداه) إلى الإنسانية ، ليخرجها من الظلمات
إلى النور ، ويشفي قلوبها وأبصارها وأبدانها من الأسقام الحسية والمعنوية معاً ،
والدليل على رد كلامه ما جاء في القرآن والحديث :
أ- قال
الله تعالى على لسان إبراهيم : {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}
ب- وقال
الرسول صلى الله عليه وسلم : ( اللهم رب الناس أذهب البأس ، وأشف أنت الشافي ، لا
شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقماً) .
4- خطبة
الحاجة يسمعها ( ضماد) فيتأثر بها ويطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم إعادتها ،
ويبايعه على الإسلام مع قومه ، لأنها تحتوي على حمد الله ، والاستعانة ، وأن
المعبود بحق هو الله وحده .
النص الكامل لخطة الحاجة :
إن
الحمد لله ، نحمد ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا
، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هاد له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم
مُّسْلِمُونَ}
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ
الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ
أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}
.
أما
بعد ،، فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاته ،
وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
من فوائد الخطبة العظيمة :
1- هذه
الخطبة وردت من حديث لجابر رضي الله عنه قال فيه : (إن النبي صلى الله عليه وسلم
يقول ذلك إذا خطب ، كما رواه مسلم والنسائي وغيرهما ، وذلك يشمل الخطب كلها ،
وبصورة خاصة خطبة الجمعة ، فقد جاء ا لتنصيص عليها عند مسلم في رواية له ، فعلى
الخطاب أن يحيوا هذه السنة .
2- يستفاد
من الخطبة عدم الاستعاذة عند قراءة الآيات أثناء الخطبة ، أو الكلام ، أو المحاضرات
، أو غيرها لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعذ عند قراءتها ، والاستعاذة شرعت
عند قراءة القرآن فقط .
3- قول
الله تعالى : {وَاتَّقُواْ
اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ}
فيه دليل على جواز السؤال بالله تعالى : وأما حديث : ( لا يسأل بوجه الله إلا
الجنة ) فضعيف ، وعلى فرض صحته ، فهو محمول على سؤال الأمور الحقيرة .
4- يجوز الاقتصار على جزء من أول الخطبة كما فعل
الرسول صلى الله عليه وسلم في أول القصة التي أسلم فيها الصحابي (ضماد) .
هذه
هي خطبة الحاجة التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أن يقولوها بين
يدي كلامهم في أمور دينهم سواء كانت خطبة نكاح أو جمعة ، أو محاضرة ، وللشيخ
الألباني رسالة مطبوعة اسمها : ( خطبة الحاجة) .
معجزة نبوية مباركة
عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لاعتمد بكبدي على
الأرض من الجوع ، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ، ولقد قعدت يوماً على
طريقهم الذي يخرجون منه ، فمرّ أبو بكر ، فسألته عن آية من كتاب الله ، ما سألته
إلى ليشعبني ، فمرّ ولم يفعل . ثم مرّ بي عمر ، فسألته عن آية في كتاب الله ، ما
سألته إلا ليشبعني ، فمرّ ولم يفعل ، ثم مرّ النبي صلى الله عليه وسلم ، فتبسم حين
رآني وعرف ما في نفسي وما في و جهي ) .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : أبا هر ]لقب الصحابي أبو
هريرة[
أبو
هريرة : لبيك يا رسول الله .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : إلحق .
(يمضي
الرسول إلى بيته فيتبعه أبو هريرة) ، يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم فيستأذن له
فيجد لبناً في قدح .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : من أين هذا اللبن ؟ ,
أهل
البيت : أهداه لك فلان ، أو فلانة .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : أبا هرّ .
أبو
هريرة : لبيك يا رسول الله .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : إلحق إلى أهل الصفة فأدعهم لي ، وأهل الصفة أضياف
الإسلام ، لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد ، وكان إذا أتته صدقة بعث بها
إليهم ولم يتناول منها شيئاً ، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم .
(يستاء أبو هريرة من ذلك) .
أبو
هريرة ( يخاطب نفسه) : وما هذا اللبن في أهل الصفة ؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن
شربة أتقوى بها ، فإذا جاء ، وأمرني (رسول الله صلى الله عليه وسلم) فكنت أنا
أعطيهم . وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد .
(يدعوهم
أبو هريرة فيقبلون ويستأذنون فأذن لهم ويأخذون مجالسهم من البيت) .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا هرّ .
أبو
هريرة : لبيك يا رسول الله .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : خذ فأعطهم .
(يأخذ
القدح أبو هريرة ، فيعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ، ثم يعطيه الآخر فيشرب حتى يروى ،
حتى ينتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم ، فيأخذ الرسول القدح
فيضعه على يده وهو ينظر إلى أبي هريرة ويبتسم .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : أبا هرّ .
أبو
هريرة : لبيك يا رسول الله .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : بقيت أنا وأنت .
أبو
هريرة : صدقت يا رسول الله .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : أقعد فاشرب .
ويقعد
أبو هريرة ويشرب .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : اشرب .
يشرب
ثانياً أبو هريرة والرسول لا يزال يقول اشرب اشرب .
أبو
هريرة : لا والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم : فأرني .
يناوله
أبو هريرة القدح ، فيحمد الله ويسمي ويشرب الفضلة .
من
فوائد القصة :
قال
الله تعالى : {وَيُؤْثِرُونَ
عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}
1- الصحابة
الذين تعودوا الجوع ، ولم يذوقوا حلاوة الرفاهية ، مكتفين بحلاوة الإيمان ، هم
الذين فتحوا القلوب بالقرآن والأخلاق قبل أن يفتحوا البلاد بالسنان .
2- صدق
فراسة النبي ، وذكاؤه فيما يراه في وجود أصحابه ، وتعهده أياهم : ( فتبسم حين رآني
، وعرف ما بي) .
3- تكريم
الرسول صلى الله عليه وسلم للفقراء ، ودعوتهم إلى بيته ، دليل على اهتمامه بهم .
4- الرسول
المربي الحكيم يربي أبا هريرة على الكـرم والإيثار وينتزع من نفسه حب الذات . (
إلحق بأهل الصفة فأدعهم لي) .
ويعلمه
أن يبدأ بغيره قبل نفسه : ( خذ فاعطهم) .
5- ملاطفة
الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة ساءه كثرة الشاربين مع قلة اللبن تتجلى في
مناداته مراراً : ( أبا هر ـ أبا هر) .
6- الرسول
صلى الله عليه وسلم كما علم الإيثار لأبي هريرة على غيره يحققه بذاته ، بل يقدم
أبا هريرة على نفسه قائلاً : ( اشرب اشرب) . وما زال أبو هريرة يشرب ، حتى امتلأ
لبناً ، بعد أن امتلأ قناعة وإيثاراً ، والطبيب الناجح يكرر الدواء لمريضه حتى
يحصل له الشفاء بإذن الله .
7- من
السنة أن يشرب المسلم قاعداً كما علم الرسول صلى الله عليه وسلم أبا هريرة (اقعد
فاشرب) .
8- ومن
السنة التسمية عند الشرب والحمد لله على نعم الله ، وصاحب البيت آخر القوم شراباً
.